مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
85
شرح فصوص الحكم
لتخلله ) أي لتخلل الخليل ( وحصره ) عطف تفسير ( جميع ما اتصفت به الذات الإلهية ) كما أن الذات الإلهية يحيط ويحصر جميع أسمائه وصفاته كذلك الخليل عليه السلام يحصر جميع الأسماء الإلهية لتجلي الحق له جميع أسمائه وصفاته واستشهد عليه ( بقول الشاعر : وتخللت مسلك الروح مني ) أي سريت أنت في وجودي وذاتي كسريان الروح الحيواني في جميع أجزاء البدن ( وبه ) وبهذا التخلل ( سمي الخليل خليلا كما يتخلل اللون المتلون ) بكسر الواو ( فيكون العرض بحيث جوهره ) أي في مكان جوهره بسبب سريان العرض في جميع أجزاء جوهره بحيث لا امتياز بينهما في الحسي ( ما هو ) أي ليس ذلك التخلل ( كالمكان والمتمكن ) فيه فإنه لا تخلل فيه حسا وعقلا هذا إن كان إبراهيم عليه السلام محبوبا والحق محبا له فكان الهيمان وهو من زيادة المحبة الإلهية يتعلق بإبراهيم عليه السلام فكان تخلل إبراهيم عليه السلام جميع صفات الحق بمنزلة تخلل المحبوب إلى جميع أجزاء المحب وأما إن كان إبراهيم محبا والحق محبوبا له وقد أشار إليه بقوله : ( أو لتخلل الحق وجود صورة إبراهيم عليه السلام ) ولما بين ثبوت معنى التخلل من الطرفين لغة شرع في إثباته فيهما بالدليل العقلي فقال : ( وكل حكم ) على اللّه من صفات المحدثات وعلى العبد من صفات الحق ( يصح من ذلك ) التخلل ولولا التخلل ما صح هذا الحكم ( فإن لكل حكم موطنا ) خاصا به ( يظهر به ) ذلك الحكم به أي بسببه أو فيه ( لا يتعداه ) أي لا يظهر ذلك الحكم بغير ذلك الموطن ولا يظهر في ذلك الموطن غير ذلك الحكم لاختصاصهما من الطرفين ولولا تخلل المحكوم عليه ذلك الموطن لم يظهر ذلك الحكم أبدا مع أنه قد شاهدنا ظهور الأحكام وإليه أشار بقوله : ( ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم ) ولو لم يتخلل الحق وجود صورة المحدثات لم يظهر منه الحكم على نفسه بصفات المحدثات ( ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها ) إلا الوجوب الذاتي ( وكلها ) أي كل صفات الحق ( حق له ) أي ثابت للمخلوق وينعت المخلوق بها ولولا تخلل العبد الحق لما صح هذا الحكم ( كما هي ) ضمير الشأن يفسره قوله : ( صفات المحدثات حق ) أي ثابت ( للحق ) اعلم أن التخلل عبارة عن السريان ومعنى سريان الحق في العبد وجوده أثر ذاته وصفاته في وجود العبد مع كون الحق منزها بجميع صفاته عن هذا الكون لأن الاتحاد من كل الوجوه باطل عندهم فلما نزل الحق نفسه منزلة العبد فأثبت لنفسه ما هو من خواص عبده فقال : مرضت وجعت علمنا أن المريض والجائع ليس صورة العبد بل الروح المتصف بصفات اللّه تعالى الظاهر في صورة العبد بالهيكل المحسوس الشاهد فما أثبت صفات المحدثات في الحقيقة لنفسه بل أثبت لأثر نفسه تنبيها على أنه واجب التعظيم فإنه ظل اللّه تعالى فاللّه تعالى أعظم ظله كما عظم نفسه فما قال إلا